الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
256
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والكلام : إنشاء ثناء على اللّه تعالى مبالغ فيه بصيغة التفعل التي إذا كان فعلها غير صادر من اثنين فالمقصود منها المبالغة . والمعنى : وصفه تعالى بكمال البركة ، والبركة : الخير العظيم والنفع ، وقد تطلق البركة على علو الشأن ، وقد تقدم ذلك في أول سورة الفرقان . والاسم ما دل على ذات سواء كان علما مثل لفظ « اللّه » أو كان صفة مثل الصفات العلى وهي الأسماء الحسنى ، فأيّ اسم قدرت من أسماء اللّه فهو دال على ذات اللّه تعالى . وأسند تَبارَكَ إلى اسْمُ وهو ما يعرف به المسمى دون أن يقول : تبارك ربك ، كما قال : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ [ الفرقان : 1 ] وكما قال : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] لقصد المبالغة في وصفه تعالى بصفة البركة على طريقة الكناية لأنها أبلغ من التصريح كما هو مقرر في علم المعاني ، وأطبق عليه البلغاء لأنه إذا كان اسمه قد تبارك فإن ذاته تباركت لا محالة لأن الاسم دال على المسمى ، وهذا على طريقة قوله تعالى : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] فإنه إذا كان التنزيه متعلقا باسمه فتعلق التنزيه بذاته أولى ومنه قوله تعالى : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ المدثر : 4 ] على التأويل الشّامل ، وقول عنترة : فشككت بالرمح الأصمّ ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم أراد : فشككته بالرمح . وأما قوله : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [ الواقعة : 96 ] فهو يحتمل أن يكون من قبيل فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ * [ النصر : 3 ] على أن المراد أن يقول كلاما فيه تنزيه اللّه فيكون من قبيل قوله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * ، [ الفاتحة : 1 ] ويحتمل زيادة الباء فيكون مساويا لقوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] . وهذه الكناية من دقائق الكلام كقولهم : لا يتعلق الشك بأطرافه وقول . . . : يبيت بنجاة من اللؤم بيتها * إذا ما بيوت بالملامة حلّت ونظير هذا في التنزيه أن القرآن يقرأ ألفاظه من ليس بمتوضئ ولا يمسك المصحف إلا المتوضئ عند جمهور الفقهاء . فذكر اسْمُ في قوله : تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ مراعى فيه أن ما عدّد من شؤون اللّه